الجمعة، 30 سبتمبر، 2011

الاسلام المدني...العدالة و التنمية



لقد اسهبنا كثيرا في الحديث عن ضرورة التجديد الديني عن طريق عصرنة المظاهر و الاطر الفكرية و التخفف من بعض القيود الموروثة وصولا الى تحرير روح الفكر الديني كي ينبثق للعالم حرا طليقا بصورة جذابة و ناجحة.
ان مفردة "التجديد" في الدين و التي يتخذها البعض حجة للهجوم على معتقديها بأدعاء ان الدين الالهي المصدر لا يمكنه ان يُجدد فهو دين كامل و صالح لكل زمان و مكان انما وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه و اله قبل غيره اذ قال"ان الله يبعث على رأس كل مئة عام من يجدد لهذه الامة دينها" علما منه ان ظروف الحياة تبتغي هذا التجديد و الا سيموت الدين و تُمحى اهدافه و يتحول الى هيكل فارغ و طقوس جوفاء.
و بعيدا عما اسهبنا فيه من الجانب النظري سنطرح تجربة واقعية حية,تجربة تشب امامنا كالعنقاء لتحمل اسلاما عصريا حديثا,اسلام فيه من المعاصرة الجاذبة بل و من الاعتزاز العميق بالذات ما لم نعتد عليه من قادتنا الدينيين منهم و السياسيين.
سنتحدث عن تجربة تركيا...عن حزب سياسي علماني بحت لكنه يستلهم في افكاره القيم الاسلامية العميقة محددا غايتين اساسيتين للدين و للسياسة:العدالة و التنمية.
لقد كانت تركيا تعاني من دكتاتورية عسكرية علمانية لا بمعنى حياد الدولة عن الدين بل محاربة الدولة له.ان العلمانية التي ننظر لها و تعني ببساطة عدم فرض الحجاب على الفتيات مثلا,تحولت في تركيا الى منعهن من ارتداءه و هذا شكل اخر من قمع الحريات لا يختلف عن نظيره الديني.
و كانت الاحزاب الاسلامية المنضوية تحت خيمة "الملي كوش" او الفكر الوطني تستغل الدين للوصول الى السلطة ثم يطيح بها جنرالات الجيش و يحلونها لتؤسس تنظيمات جديدة بذات الافكار والاشخاص و هلم جرى.
حتى اسس رجب طيب اردوغان رئيس بلدية اسطنبول و الاسلامي السابق حزبا علمانيا يستلهم قيم الاسلام في تجربته السياسية التي اصر ان تكون مدنية علمانية بحتة.
هذه القيم التي اختصرها برمزين:العدالة و التنمية.
ان هذه الحزب ليس حزبا اسلاميا كما تسوقه احزاب الاسلام السياسي العربية كجاذب للجماهير نحوها مستغلة نجاحاته لتوحي للناس انها ستأتي بنموذج مماثل بينما لم تثمر في اي موقع وصلت اليه الا عن فساد كبير و فتن متنقلة.
و كانت كلمة اردوغان في القاهرة ضربة قاصمة للاسلاميين عندما اكد ان لا تناقض بين العلمانية و الاسلام متحديا ان يردها عليه احدهم و داعيا الى دستور علماني فلم يكن للقوم رد سوى"رفضهم تدخله في الشؤون الداخلية".
لقد صوت نصف الاتراك لأردوغان و حزبه في الانتخابات الاخيرة ليس لأنه "مرشح الله في الانتخابات" او ان انتخابه سيودي بالانسان الى الجنة او ما شاكل من الدعاية البائسة التي اعتدناها.
صوت له هؤلاء لأنه رفع دخل الفرد التركي الى الضعف بينما سجلت تركيا كسابع اقتصاد في اوربا نموا مع هدف كبير اعلنه الحزب و هو ان تكون تركيا من الدول العشر الاولى في العالم عام 2023.
ان وقوف تركيا الحازم امام اسرائيل الحليف السابق لجميع حكوماتها المتعاقبة الاسلامية كحكومة ارباكان و العلمانية سواء بسواء و قطع العلاقات الاقتصادية و العسكرية معها حتى تعتذر عن مقتل اتراك تسعة و وقوفه مع مطالب الشعوب العربية بلا تفريق بين سوريا و البحرين و اليمن و مصرسبب احراجا كبيرا للزعماء العرب و للاحزاب الاسلامية التي حملت لواء " نفاق حتى النصر" في مهزلة المواقف المبنية على اسس طائفية تميز بين الدم السوري و البحريني بشكل مثير للاشمئزاز و من الطرفين.
ان النموذج التركي هو مثال لعلمانية الدولة ككيان مع احتفاظ افرادها بقيمهم الدينية السامية و مزاوجتها مع قيم الحضارة الجديدة,
و قد قام حزب العدالة و التنمية بتعديلات على الدستور التركي اعطته دفعة نحو الامام في مجال ضمان الحريات العامة و الخاصة تلك التي يحاربها الاسلاميون سرا و علانية و في مجال الديموقراطية فلم يعد لرجل العسكر ان يتحكم في قرارات الشعب الذي استلم زمام الامور و لم يسمح بسقوط الصولجان من يد الجنرال الى يد رجل الدين.
ان هذه التجربة برسم النظر لمن كان له نظر....و الاسلام خالد ومتجدد ما بقي قلب ينبض.

هناك تعليقان (2):