الاثنين، 24 فبراير، 2014

المعتزلة

"العقل: اول الادلة
الشريعة: مصلحة العباد"

يشكل الشرق-الاوسط خاصة- المركز الروحي والديني في العالم,يكفي ان ثلاثة من ابناء النبي ابراهيم الذين يلهمون اليوم اكثر من نصف سكان العالم ولدوا في اماكن متقاربة قربا غريبا,موسى ويسوع ومحمد.
والميزة التي تختص بهذه الاديان هي تلاقيها الدائم والمستمر بالشان السياسي وعبورها لحدود الجغرافيا و العرق والثقافة القبلية-عدا اليهودية الى حد ما-على عكس الاديان الروحية الاخلاقية العظيمة كالبوذية والكونفوشيوسية و الزرادشتية حتى.
وهذا التعالق المعقد بين القصر والمعبد-الذي بالمناسبة صوره بشكل رائع استاذي د.طه الشبيب في "وديعة ابرام"- جعل لهذه الاديان اثرا في المشهد السياسي والاقتصادي والامني والاجتماعي وفي كل بقعة من العالم الذي يزداد اقترابا يومياً بفعل التكنولوجيا و يزداد تأثرا بأجزاءه التي كانت يوماً قصية منسية.
ولا يخفى على ملاحظ ان من اكبر هموم عالم اليوم-ربما بعد الهم الاقتصادي- هو ظاهرة الارهاب,ذلك المخلوق المشوه الذي خرج من كهوف التاريخ برعاية امريكية لكي يقاتل السوفييت ثم انتشر وباءاً ملعوناً يفتك بكل ما هو حي -وما هو ميت- لا يعرف حدوداً جغرافية او اخلاقية.
وان تعمقنا كثيراً نجد ان ظاهرة الارهاب تستند على جذور فكرية غذتها عوامل اجتماعية وسياسية كالاستبداد والفقر و الكبت والانقسام الطائفي و ما الى ذلك مما يحتاج ان يُفرد له.
اما جذوره الفكرية فتعود الى مدرسة اسلامية دينية متشددة تُعرف بالسلفية او الوهابية,تلك المدرسة التي تفسر نصوص الدين تفسيراً مجتزئاً وحرفياً مرتبطأ بالتقاليد الاجتماعية القاسية لمناطق البداوة وتعلن ان كل من لم يلتزم بهذه التفسيرات كافر تُعلن عليه الحرب.
وفي ظل عجز مؤسسة الاسلام السني الرسمية-كالازهر مثلاً-على مواجهة هذا المد بسب ضعفها وارتباطها بأنظمة الحكم وخوفها من العامة في ظل استقطاب طائفي,وفي ظل انزواء مؤسسات الشيعة على تقاليد وخرافات ادت لأنعزال تام عن بقية المجتمع اصبح السؤال الملح هو ان كان يوجد عند الاسلام ما يقوله لمواجهة غزوة الجراد تلك التي تأكل بأسم الله وبأسم محمد اخضر المسلمين ويابسهم وتجعل سواهم في قلق دائم من ان تطال مطاراتهم و محطات قطارهم تلك الجرثومة الخبيثة.
للاجابة على هذا السؤال علينا ان نجيب عن سؤال اخر,ما هي نقطة انقلاب الفكر الاسلامي من فكر يحتضن العلوم التجريبية والمنطقية ويترجم ما الف العالم اجمع الى مصنع تفخيخ كبير؟ومتى وكيف حصل ذلك؟
يعود بنا التاريخ الى عهد الخلافة العباسية,حيث كانت فرقة اسلامية تُعرف بالـ"معتزلة" تقود الجدل الفكري والفلسفي واللاهوتي والفقهي والسياسي في العالم الاسلامي الذي يعج بالاطباء والمفكرين والكيميائيين والمترجمين المؤمنين والزنادقة,السنة والشيعة,المسلمين وغيرهم...
قامت فرقة المعتزلة على قاعدة صلبة وهي الاستناد على العقل والمنطق في اتخاذ المواقف والتشريعات وتبني العقائد,وقالت ان نصوص الفقهاء جميعا ان لم تكن منطقية وتخدم مصالح المجتمع يرمى بها عرض الجدار...واكثر من ذلك,حتى النصوص الدينية المقدسة يجب ان تُفهم بطريقة تتوافق مع قواعد العقل وان كان هناك نص يتعارض ظاهره مع العقل يجب ان يؤول تأويلا يتفق مع العقل.
لذلك يلاحظ القاريء ان المساجلات الفكرية في التاريخ كانت اكثر رقيا وتحضراً وقيمة بكثير من مناقشات الحاضر,فبينما كان النقاش سابقاً عن القضاء والقدر والتسيير والتخيير و طبيعة النبوة و العدل و المنطق الارسطي اصبحت نقاشات اليوم هي مفاضلات بين هذا الخليفة وذاك و نقاشات عن طريقة الغسل و الفرق بين الفساء بصوت وبدون صوت و امكانية نكاح الجن وما شابه...

وهذا الجدل العقلي الذي انفرد به المعتزلة برز بشكل كبير في ما يتعلق بالذات الالهية,فالايات القرآنية التي تتحدث عن"يد الله فوق ايديهم" و"السماوات مطويات بيمينه"و"الرحمن على العرش استوى" فهمها المعتزلة بمعنى المجاز..اي القدرة والاحاطة والوجود لا معنى اليد الجسمي المادي كما فهمها غيرهم وخفضوا صورة الذات الالهية المطلقة...وهكذا بقية الامور.
للمعتزلة اصول دينية اهمها

 التوحيد:وهو وحدانية الله الخالق المطلق الذي لا يخضع للزمان والمكان كلي القدرة والوجود ورفضوا التجسيم والتجسيد.
العدل:وفي هذا ثار المعتزلة ثورتهم الكبرى اذ قالوا ان الانسان مختار في افعاله ونفوا ان الله وضع للانسان قدراً وقالوا ان الله عادل ولا يمكن لله ان يحاسب عبداً على عمل قدره عليه مسبقاً,وبذا قالوا بالاختيار الكامل للانسان وان الله لا يفعل الا خيراً وان الشر ان كان فأنه من الانسان.
الحسن والقبح العقلي:اعتمد المعتزلة على العقل والمنطق ففي تحديد ما هو صحيح وما هو خاطيء وقالوا ان الله لا يأمر الا بما هو حق وعدل وحسن وكانوا يؤمنون بتقديم العقل على النقل ان تعارضا لأن العقل اصل والنقل ظني الدلالة وبعضه كالحديث ظني الدلالة والثبوت.
الامر بالمعروف والنهي عن المنكر:وهنا ايضا تبرز ثورية المعتزلة الذين اوجبوا على كل مسلم ان يأمر بالحق وينهى عن الظلم واجازوا بل اوجبوا الثورة على السلطان الجائر و ضربوا بمفاهيم الفقه التي تدعو الى ان السلطان قدر من الله نائب عن الرسول واجب الطاعة وان ظلم.
المنزلة بين المنزلتين:قال المعتزلة ان مرتكب الكبائر له منزلة بين المنزلتين فلا هو مؤمن ولا هو كافر فأن تاب اصبح مؤمنا والا تعرض للعذاب الاخروي وبذلك كانوا وسطاً بين التكفيريين الخوارج الذين حكموا بكفر وقتل المذنب وبين التدين الرسمي الذي يخدر المجتمع بالمواعض ليؤخر نهضته وتحمله للمسؤولية في تصحيح اوضاعه.

كان المعتزلة اهل مناظرات مع الملاحدة والزنادقة وسائر الفرق.اساتذة فلاسفة منهم الجاحظ الموسوعي المعروف -ويقال انه اول من اشار الى الانتخاب الطبيعي للاحياء-والشاعر والمؤرخ ابن ابي الحديد والقاضي عبد الجبار والمفكر الكبير النظام المعتزلي.
والانقلاب الاكبر الذي حصل في تاريخ الاسلام هو حين حصلت فتنة تعرف بخلق القرآن ملخصها ان المعتزلة وبعض الفرق الاخرى قالوا ان القرآن الكريم مخلوق بمعنى انه ليس ازلياً لأن الله هو الازلي الوحيد ولو كان القرآن ازليا لكان الهاً ثانيا بينما قال تجمع لفرق اخرى يقوده الامام احمد بن حنبل ان القرآن ازلي وحصل اشتباك كثير في هذا الموضوع وهنا ظهر للنور للمرة الاولى مصطلح"اهل السنة" مقابل"اهل البدعة" كما اطلقوا على المعتزلة...
وقام الخليفة المأمون بمناصرة المعتزلة فحبس الامام احمد بن حنبل وغيره واجبر الناس على القول بقول المعتزلة فلما مات المأمون ناصر الخليفة المتوكل الاتجاه السلفي الاكثر تشدداً في تيار"اهل السنة" الجديد وقاموا بأبادة المعتزلة ابادة شبه تامة ولم يبق من تراثهم وكتبهم الا الشيء القليل,بل يُقال ان معظم ما وصل عن عقائدهم هو من كتاب اكتشف في اليمن بالصدفة.
وكانت هذه نقطة التحول التي حولت العالم الاسلامي من حاضنة للعلم والفلسفة الى بقعة موبوئة تعج بالصراعات والعادات الغبية ومنذ ذلك الحين ونحن في انحدار مطرد نحو هاوية التشدد والتطرف.
وبينما نزع بعض الشباب الى تبني النموذج الغربي على علاته وعلى عدم اتساقه مع مجتمعنا وعاشوا اغتراباً فكرياً مضنياً
 يسعى مجموعة من المثقفين منهم بعض الاصدقاء الى اعادة احياء فكر المعتزلة لحاجة الفكر الاسلامي الشديد اليه...
اصدقائي...
واقعنا في هذه اللحظة اننا امة ركنت العقل جانباً وباتت كل فئة منها تحمل مجموعة من النصوص المتوارثة عن فلان عن علان تكفر بها اختها وتصنع طغاة تستبدل بهم اخرين,تعتاش على ما يصنعه العالم,ولا تصدر الا شحنات الموت و بعض الكفاءات الهاربة من حوض الجنون والدم والنفط هذا....
لقد كان المعتزلة واخرين كالفلاسفة و الصوفية نقطة مضيئة في التاريخ مُحيت بفعل جنون مطرد مستمر...يتحمل كل شاب وشابة منا مسؤولية ايقافه,فأن هذا العرض الهزلي ان استمر,ستتحق نبوءة اخرى ل"عادل امام"..سيموت البطل والمخرج والمتفرجون-المتفجرون- جميعاً.

الأحد، 4 أغسطس، 2013

الروح والمادة



في زمن الثورة المهولة في وسائل الاتصالات وتناقل المعلومات والافكار لم يعد بأمكان فكرة ما ان تحافظ على ذاتها بمنأى عن النقد والتساؤل,اذ ان الافراد -في السابق- كانوا يولدون في مجتمعات تعتمد ايديولوجيا معينة -دينية او غير دينية- فلا يطرأ ببال معظمهم نقد او تساؤل او شك,كما لا يتوافر عندهم نماذج لنظم اخرى كي يقوموا بمقارنات مع منظومتهم ,لذلك كانت الدعوات للتغيير محدودة يقودها الانبياء والمصلحون والمفكرون الكبار وتواجه برفض شديد على الاغلب.

اما اليوم فقد اصبح بأمكان اي شاب ان يتلقى في مكانه عن طريق جهاز الموبايل الصغير كماً هائلاً من الهجوم والتشكيك والدعاية والافكار السلبية والايجابية,البريئة وذات الغرض...
ولأن عصر السرعة والتكنلوجيا والاقتصاد التنافسي هو السائد فأن هذه التأثيرات تورث لجيل الشباب الصاعد شكوكاً مختلفة لا يسمح لهم ولا يشجعهم ان يخصصوا من وقتهم الثمين للبحث الفكري المتعمق...لذلك تسود حالة الشك فحسب...والابتعاد التدريجي عن القيم...وعن الدين لدى البعض المثقف خاصة الذي تجاوز الاستقطابات الطائفية....اما الذي مازال متعصباً لطائفته فأنه يمر بذات الطور ولكن على مستوى التصرفات العملية...بينما يبقى الظاهر مؤمنا غيوراً...
كما ان لمعة الحياة المادية,ومغرياتها...الاجهزة الحديثة والسيارات و الاباحية و الملابس المبهرجة والحفلات الصاخبة...كل هذه المغريات- في غياب خطاب ديني عميق- اوقعت الشباب في غياهب التيه,وظنوا ان تلكم المباهج هي الحياة....وان قيود الدين انما تحرمهم من كثير منها...
ولن اذكر هنا الخطاب الديني البائس والسلوك السياسي الديني الضحل فقد افردتُ له ما يكفي...

وفي الحقيقة فان التجربة الدينية ليست قيداً على الانسان....وانما هي نضالٌ للانسان كي يتحرر من قيده,شيءٌ يشبه الحمية,تحافظ على نظام سليم وصحيح لحياة البشر وسطٌ بين الافراط والتفريط...
ان الانسان كائن منظم,اشتغل منذ وُجد بالانظمة والقوانين التي تنظم حياته,ولا بد له من قاعدة اخلاقية صلبة يستند اليها,واؤكد على السير بالاخلاق لأنها اخلاق فقط.حقائق ينبغي ان تكون مطلقة...بعض المفكرين اللادينيين حاولوا ان يقولوا ان اصل الاخلاق راجع للمصالح,وهذا تدمير لأصل فكرة الاخلاق...هذا يعني انني لا اقتل كي لا أُقتل...وكي لا احاكم...ولو امنت من اي من العقابين وكان لي مصلحة في القتل اضمن فيها السلامة فليس هناك شيء مطلق يمنعني...وهذا منتهى العبث....وقس على ذلك بقية الامور...
اما التجربة الدينية الصحيحة فأنها تحمل الانسان مسؤولية ان يضبط نفسه في كل شيء...وان مصدر هذه المسؤولية ليس المصالح الاجتماعية النسبية....بل الله...الخالق العظيم الجليل المطلق...وحده فحسب"لا شريك له"...الذي هو حاضر في السر والعلن يدعو الانسان الى نفسه ويذكره بمسؤوليته...
هذه التجرية تدعوه الى ان ينظر الى المادة بعين الوسيلة لا عين الغاية...بمعنى ان يكون جمع المال لتوفير حياة كريمة للعائلة...ولمساعدة المحتاجين بما فاض منه...وليس غاية بحد ذاته...وهو احقر من ان يكون محكاً لتقييم البشر...وُصفت المادة بالنعل...ضروري ومهم ان يكون تحت القدم للمشي....عار ان يكون فوق الرأس...
ان تكون العلاقة العاطفية بداية لشراكة حياة كاملة من بناء الاسرة وخدمة البشرية وليست الغاية هي المتعة الحسية بحد ذاتها...
وقس على ذلك...
ويأتي التساؤل...ما هي الغاية التي يضعها الانسان نصب عينيه اذاً؟
ويأتي الجواب:
التحرر من سلطة الشخص والمادة والانتماءات القبلية والطائفية والالهة الزائفة....ثم بدأ ممارسة الرسالة الكبرى....الاصلاح.."وما ارسلناك الا رحمة للعالمين"...وهذه هي الغاية التي ينبغي للانسان ان يسير بمسارها سيراً ملزما مطلقاً لا التزاما فرضته المصالح...
ومهما انغمس الانسان في المادة فأنه لا سيظل يشعر بنقص...وسيظل يشعر بتيه...وحيرة,وكأنه يحتاج الى المزيد من شيء لا يدري ما هو,فهذه الاغراءات ليست الا صوراً فارغة,طرقاً ووسائل مسخرة لتحقيق الغاية ولا تصلح ان تكون غاية بحد ذاتها,حالها حال رجل اراد الذهاب الى مكة....فوصل الى شارع كتب عليه"طريق مكة" فجلس هناك...
اما الانسان الذي عرف غايته...فأن سعيه في تحقيقها سيكون مفعماً بالطمأنينة...ورحلته تغص بالمعاني....

الثلاثاء، 23 يوليو، 2013

عزيزي الداعية


عزيزي الداعية...
ماذا تريد؟وماذا يريد الله؟


نتمنى ان نفهم بالضبط غايتك من الجهد الذي تقوم به,واقصد الغاية الاجتماعية وليست غايتك كشخص....لقد افترضتُها اصلاً مهنة ولك الحق ان تطمح لعائد مالي وان تستشرف الشهرة...وهذا فرضٌ فرضتُه لتجاوز هذه المسألة لا غير وفيها كلام كثير...

هل غايتك ان تدخل اعدادٌ كبيرة من البشر الى الاسلام؟وان يشار اليك بأن المئات اسلموا على يديك؟
شيخي العزيز...تعلم ونعلم ان الاسلام ليس حزباً تنتمي اليه بتوقيع استمارة...وان ادخال الناس في الاسلام يتطلب انقلاباً في مفاهيمهم الاجتماعية,وان التوحيد ونبذ الاصنام-كافة-يعني ان يتحرر هؤلاء من قيود القبيلة و الطائفة والحزب...ومن زعامة الاشخاص...وفي مرحلة اعمق التحرر من صنمية المادة والحرص عليها...والاعمق...التحرر من صنمية الذات....وهذا ليكون مسلماً فاعلاً وجزءاً من حركة الاسلام الاجتماعية.
فهل وضعت يا شيخي العزيز هذا في حسبانك؟ام انك لا تزال تعتقد ان ذهابك الى مجاعات افريقية بوافر الطعام والشراب وادخال القبائل المنسية الى الاسلام دون ادنى تغيير في افكارهم المعرفية واخذ الصور هناك سيجعلك ناجحاً؟وهل سيرضي الله عنك؟

شيخي العزيز...اتعتقد انك بتحديث الناس عن رجل هنا وامرأة هناك من اوربا دخلوا الاسلام تقوي موقفك وتدحض حجج مخالفيك؟وهل يعني هذا ان الاسلام قوي اذا دخل اليه شخص ضعيفٌ اذا خرج منه آخر؟

شيخي العزيز...اتعتقد حقاً انك اذا ذكرت سلبيات المسيحية او اليهودية او الالحاد او التسنن او التشيع سيجعلك ذلك اقوى؟لماذا لا تعرض نقاط قوتك بدل ما تعتبره ضعف الاخرين؟كون الاخرين ضعفاء-بزعمك-لن يجعلك قوياً.

شيخي العزيز...اتعتقد حقاً ان الابتسامات العريضة التي تكاد تمزق فمك والنبرة العاطفية المصطبغة بلحن درامي ناعم سيجعلك معتدلاً حقاً؟وانت ثابت على نفس الافكار الاقصائية تعتاش على تراث لا تتجرأ ان تنقده و لا تتكلف ان تقدم نظرياً او عملياً نتاجاً جديداً يحل ازمة التعايش والتخلف التي تعصف بالامة,الاعتدال بالفكرة والعمل وليس بالتمثيل الفاشل عزيزي...

شيخي العزيز...هل تعتقد حقاً ان انتشار الشباب الملتزم "اللي بيروحو الجامع" والنساء المحجبات هو من مظاهر نجاح حراككم الدعوي؟الا ينبغي ان تبحثوا-كمقياس لنجاحكم- عن انخفاض معقول في نسب الغش والعنف الاسري والطلاق والفساد الاداري وحالات التحرش؟اما ان ان ننهي لعبة المظاهر هذه؟

شيخي العزيز...اتعتقد حقاً ان التغني بتاريخنا المجيد في عصر فضح به Google كل مستور لا يزال مجدياً حقاً؟اتعتقد ان التلون في خطابكم حسب الاجواء السياسية ودفاعكم المستميت عن الواقع او عن التاريخ سيحفظ لكم من المصداقية ما يؤهلكم للدعوة الى الله فعلاً؟

شيخي العزيز...اليس من الافضل العمل بقول عمر بن عبد العزيز:كونوا دعاة صامتين؟بدل كثرة الكلام؟

شيخي العزيز...
هل تبحث عما تريده انت؟ام عن ما يريده الله؟
شيخي العزيز...لا تجعلوا الدين"موضة"...حفظكم الله

الأربعاء، 6 مارس، 2013

الفتوحات السلفية...ج2

مع اندلاع الحرب العالمية الاولى كانت دولة السلطان العثماني تتآكل من الداخل بينما تتلقى ضربات التحالف الغربي الواحدة تلو الاخرى....ارسلت الحكومة البريطانية موظف استخبارات يدعى لورنس الذي عُرف بلورنس العرب ليرتدي العقال العربي ويتمكن من اقناع زعماء قبائل الجزيرة العربية وشريف مكة الشريف حسين بالثورة على الدولة العثمانية واعداً اياهم بدولة مستقلة تحيي الامجاد القومية للعرب....وهكذا انطلقت الثورة وبدأت العشائر بمهاجمة الخطوط الخلفية للعثمانيين حتى اجلتهم عن الجزيرة العربية بينما دخلت  جيوش التحالف الغربي بقية بلدان العرب لتقسمها فيما بينها وفق اتفاقية "سايكس-بيكو" الشهيرة لتضرب بوعودها للشريف حسين عرض الجدار وتسترضيه بتولية ابناءه عروش العراق وسوريا والاردن.
وفي الوقت الذي كانت السلطنة العثمانية تستند على شرعية دينية بأتبار السلطان العثماني هو الخليفة وامير المؤمنين دعمت بريطانيا حركة قادها طالب علم ديني يُدعى محمد بن عبد الوهاب تستند على تكفير السلطنة و وصم الكثير من عادات وطقوس المجتمع الاسلامي بالشرك والبدعة ليتحالف هذا الشيخ مع محمد بن سعود ويشكلان الحراك الوهابي المسلح الذي انتهى بأقامة المملكة العربية السعودية على ارض نجد والحجاز.
حاولت الحركة الوهابية التمدد خارج الجزيرة-كما اشرنا- دون جدوى..فقد 
كان لشيوخ المذاهب السنية الاخرى ومدرسة الازهر ومدارس المغرب العربي المتأثرة بالتصوف دور كبير في رد هذه الحركة فكرياً.بينما ساهم وجود الشيعة في العراق وتصادمهم المستمر مع الغزوات الوهابية تجاه كربلاء والنجف بتحديد حركتهم العسكريةبشكل كبير.
بينما
ومع بداية اللبنات الاولى للدولة الحديثة بدأت المجتمعات الاسلامية التي الغارقة في الفوضى تفتح عينيها على نمط الحياة الجديد الذي القادم من الضفة الاخرى للبحر المتوسط...نمطٌ غير الكثير من المعتقدات السائدة و بدأ بأطلاق حراكٍ فكري جديد لتسود المجتمعات التقليدية تيارات حديثة كالتيار اليساري الشيوعي والتيار القومي العربي وتيارات وطنية وليبرالية اخرى...اما على مستوى الافكار الدينية فمدرسة الاصلاح والتنوير التي اسس لها جمال الدين الافغاني ومحمد عبده والكواكبي وغيرهم باتت اكثر رسوخاً مع تطور نظام الحياة الاجتماعي...ثم ظهر تيار الاسلام السياسي المتمثل بحركة الاخوان المسلمين الذي حاول ان يعود الى اصول الاسلامي لينطلق منها نحو الواقع بلغة تلائم هذا الواقع الى نحو ما..
هذا الجدل الفكري الجارف اضافة الى المستوى التعليمي والاقتصادي العام وطريقة الحياة المنفتحة لم يكن ليسمح لأفكار كالسلفية او الوهابية بالنفاذ اليه بأي شكل من الاشكال فهم المجتمعات العربية كان منصباً على قضايا التعليم والسفر والسياحة والرفاه الاقتصادي وبعض الترف الفلسفي بينما كانت طبقة الفقراء مستقطبة نحو التيار اليساري.
ثم جاءت المرحلة السوداء في تاريخ العالم العربي....حيث قامت مجاميع من ضباط الجيش في بلدان مختلفة بأجراء انقلابات عسكرية اطاحت بأنظمة الحكم الملكية واسست لسلسلة انقلابات دموية متتالية اختتمت بأنظمة شمولية امنية في منتهى القسوة والبشاعة...انظمة اقصت جميع التيارات السياسية وحاربتها ورمت بأصحابها الى"ما وراء الشمس"كما بدأ يصطلح عليه لاحقاً...
صاحب هذه الفترة تراجع كبير في المستوى الاقتصادي وانتشار واسع النطاق للمجاعات واحزمة الفقر والبطالة.
في نفس الوقت عاشت دول الخليج العربي ومن ضمنها السعودية انتعاشا اقتصاديا مطرداً ادى الى وجود فائض مهول في الاموال مكنها من الدخول الى السوق بقوة وفرض كلمتها في السياسة والاقتصاد على حد سواء...
هذه الحالة ادت الى سريان حالة من اليأس والاحباط لدى جيل الشباب خاصة جيل"النكسة" الذي عاش مرحلة من الضياع والتيه دفع الكثير من الشباب الى البحث عن بديل اخر...مع افول نجم التيار الشيوعي و تحول القومية العربية الى قناع لحكم النار والحديد بدأ الشباب بالاتجاه نحو الدين وتياراته السياسية ليتسع حجم الاخوان المسلمين بفترة وجيزة وليتعرض الى حرب شعواء من الانظمة التي سمحت بنفس الوقت بنمو بديل اسلامي مسالم يحرم الخروج عليها ولا ينازع الامر اهله...وهو البديل السلفي الذي يتمتع بدعم مالي خليجي يمكنه من بناء قاعدة لمستقبله في المنطقة.
جاءت الثورة الخمينية في ايران لتعزز امال التيارات الاسلامية في التغيير...ومن ثم الدخول السوفييتي الى افغانستان والذي دفع الاف الشباب المحبط الى التدرب والتسلح والسفر الى الجهاد برعاية امريكية-سعودية,وبعد اندحار السوفييت ادار العالم ظهره للركام الافغاني لتنشأ فيه بعد حروب طاحنة تنظيمات عرفت بالسلفية الجهادية او التكفيرية ابرزها القاعدة المتعدد الجنسيات وطالبان ذو الطابع الافغاني المحلي...وليبدأ هذا التنظيم نشاطه واعداً الاجيال المسحوقة برفع رايات الاسلام فوق اسوار فلسطين واسترداد كرامة الاسلام و بالشهادة وثواب الجنة وحورها العين ان مات في هذا الطريق..
و خلال نمو السلفية العنيفة في افغانستان كانت السلفية السلمية تنتشر بصمت في البلدان الاخرى تحت غض بصر حذر من انظمة الحكم...لتقوم عصبة جسورة من القاعدة بضرب الولايات المتحدة في عقر نيويورك لترد الولايات المتحدة بحرب عالمية على الارهاب ادخلتها الى افغانستان والعراق وافتتحت قرناً دموياً من الصراعات المستمرة.
التيار السلفي المسالم بنى قاعدة صلبة في الدول العربية لكنه لا يزال تيارا ثانويا غريباً عن سايكولوجية العرب وافكارهم...وجد التيار السلفي حصان طروادته للدخول الى قلب العالم الاسلامي واختطاف تمثيل الغالبية من اهل السنة والجماعة...وهذه المظلة هي الصراع السني-الشيعي,بدأت المعركة في العراق بأشتباكات ومعارك وغزوات عنيفة بين رجال القاعدة والسلفية وبين مليشيات شيعية تلتها حملات اعلامية وثقافية كبرى تضخم من موضوع الصراع الطائفي وتشيطن المذهب الشيعي و تحوله الى"بعبع" يهدد عقيدة و وجود الكيان السني بالكامل.
ومع انطلاق الربيع العربي بدأت الدول المتهالكة اصلا بالانهيار...الحدود بدأت بالاضمحلال شيئاً فشيئاً على ارض الواقع والوجود السلفي النائم والهاديء بدأ بالتكشير عن انيابه في بعض الدول كمصر وتونس بينما اعمل مخالبه في الدول الاخرى بلا مواربة كليبيا وسوريا...لقد اطلق التيار السلفي فتوحاته...حربٌ مفتوحة لأختطاف العالم الاسلامي(السني) بأسم الحرب المقدسة مع الشيعة انطلاقاً من سوريا...يمتلكون من التمويل والدعم الاعلامي والعسكري ما مكنهم من الصمود بوجه جيش نظام الاسد الامني الوحشي لعامين ولا يزالون..
نراهم يومياً يتحدثون بين السطور عن "الخلافة"...يحبسون النساء اللواتي قضين عمراً في التعليم الاكاديمي ويعيدونهن الى المنازل ويعيدون شعوباً بأكملها الى عصور ما قبل التاريخ...يقطعون الرؤوس والايدي والارجل ويفجرون الاسواق وبيوت العبادة...
يجب ان نعي جميعاً اننا امام طوفان دموي متوحش لا يفهم اي لغة نتكلم بها...وعلينا ان نتدارك بنية دولنا و نسيجنا الاجتماعي قبل ان تتحول ديارنا الى خرائب تنعق فيها الغربان الملتحية على جثث امالنا ومستقبلنا....

الاثنين، 18 فبراير، 2013

الفتوحات السلفية - ج1

يعد كتاب"الفتوحات المكية" للمتصوف الشهير محي الدين بن عربي المعروف بالشيخ الاكبر من اهم كتب التجريد الصوفي والفهم الباطني للنصوص الشرعية...كتب الشيخ  كتابه هذا خلال رحلته للحج في مكة و اثار فيه جدلاً كبيراً في اوساط الفقهاء الذين كفروا محي الدين و وهاجموا كتبه المختلفة واتباعه.
من عنوان الكتاب ومحتواه يتضح ان ابن عربي يستخدم مصطلح "الفتح" كتعبير عن الفهم والكشف المعرفي والارتقاء في وجدانية التدين وحالة الهيام التي رافقته خلال سعيه نحو الحج.

وبعد قرون متطاولة من محي الدين ومريديه ومكفريه يتعرض العالم الاسلامي اليوم الى تهديد خطير هو الاشد وطأة بنظري منذ الاجتياح المغولي,فتح من نوع اخر ليس فتحاً عرفانياً يقوم على انفتاح العقل والقلب لحب الخالق والمخلوق والفناء التام في الحق...فتح يقوم على الجهل والعنف والقسوة والجفاف المعرفي والروحي والانساني وهذا التناظر بين مفهومي"الفتوحات" ما الهمني اختيار هذا العنوان لسلسلة المقالات القادمة.


ولنعد الى الوراء بعض الشيء,فأن الخلافات التي نشبت بعد وفاة الرسول الاكرم (ص) كانت في غالبها الاعم سياسية وبعضها فقهي ولم تصل الى خلاف فكري او عقدي شديد رغم احتدامها...وقد بدأت بواكير نشأة المدارس الفكرية مع علي ابن ابي طالب عليه السلام الذي اسس في خطبه وكلماته لمنهج عرفاني/عقلاني متميز ومن ثم انشقاق حركة الخوارج وظهور منهج التكفير والقتل بأسم الدين لأول مرة في العالم الاسلامي بينما اسس معاوية بن ابي سفيان بدهائه الخارق للمنهج الجبري لكي يشيع بين الناس وجوب طاعة الحاكم عادلاً او ظالماً لأنه مسلط عليهم بقضاء الله وقدره لتتبرعم هذه المدارس الى الاف الافكار التي تزاوجت مع التراث الفارسي واليوناني لتنتج حديقة غناء من زهور الفكر الرائعة التي شهدت ربيعها في العصر العباسي بين عهدي الرشيد والمأمون.

لكن كثرة الافكار وتصادمها العنيف في فترة ما يعرف بمحنة خلق القرآن ادى الى انبثاق تيار جديد رفض كل هذه الافكار ورفع شعار الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.
وهاجم هذا التيار جميع المدارس الاسلامية تحت عنوان"البدعة" قائلاً ان نصوص الكتاب والسنة يجب ان تؤخذ فقط على رأي السلف وان اي اعمال لمناهج بشرية اخرى هم ابتداع وتأويل.
واستطاع هذا التيار ان يحوز على دعم الخليفة المتوكل بشن حملة عشواء على مخالفيه لينتهي الامر بالقضاء التام على المعتزلة ارباب المنطق والفلسفة وتحييد البقية الى درجة كبيرة.
وكان اهم رموز هذا التيار هو ابن تيمية المعروف بشيخ الاسلام والذي الف كثيراً من الكتب رد فيها على الفرق المختلفة بلهجة عنيفة وشديدة ورد عليه الكثير من علماء اهل السنة في زمانه لينتهي الى الحبس بفتوى من بعض علماء الدين, ويعد ابن تيمية-وتلميذه ابن قيم الجوزية- المؤسس الرئيس للتيار السلفي.

وقد نهجت السلفية منذ ابن تيمية منهجاً يدعو الى عدم الدخول في السياسة من باب وجوب طاعة ولاة الامر لذلك ظلت بعيدة عن الاضواء حتى نهايات العهد العثماني,فالسلفية ظلت حتى ذلك الحين سلمية نسبياً الا عندما يكون الحاكم مؤيداً لهم كما في حالة المتوكل,اما وهم خارج السلطة فقد تجنبوا اي صدام مع الدولة والمجتمع ولا يزال جزء كبير منهم على هذا النهج وهم المعروفون بالسلفية المدرسية.

التحول التاريخي في مسار الحركة السلفية ظهر في نهاية الحقية العثمانية مع بروز الشيخ محمد بن عبد الوهاب في صحراء الجزيرة,فقد تحرر الرجل من حرمة الخروج على الحاكم بالقول ان الخروج محرم اذا كان الحاكم مسلماً...وقام بتكفير الدولة العثمانية والخروج المسلح عليها بالتحالف مع محمد بن سعود امير ال سعود وبدعم من الحكومة البريطانية ليشن اتباع الرجلين هجوماً واسع النطاق على قوات السلطنة المتهالكة ويخرجوها من الجزيرة العربية وهاجموا كذلك مراقد الصحابة واهل البيت ومشاهد الشيعة والصوفية وانهوا كثيراً من الممارسات التي اعتبروها مخالفة للنصوص في اداء الحج وكانت افكارهم تتجلى في ان اي فكر مختلف هو"بدعة" وان اي مزار او مرقد او ذكر لرمز هو "شرك" يستحق اهله القتال.
والحق يقال فأن كثيراً من الخرافات التي سادت المجتمع الاسلامي كان للسلفية الوهابية الفضل في القضاء عليها.

لم يكن الفكر الوهابي مستساغاً في العالم الاسلامي...وكان الرد الاول على محمد بن عبد الوهاب هو من والده واخيه برسائل موثقة,ثم جاءته الردود متوالية من تونس ومصر وغيرها مما حجم حركته ومنعها من الخروج من اطار الجزيرة العربية رغم بعض المحاولات التي قاموا بها للهجوم على جنوبي العراق اذ هاجموا كربلاء والنجف وهدموا صحن الامام الحسين ولكنهم لم يخترقوا العراق فكرياً وظلوا اسيري صحراء الجزيرة.

ومع تأسيس الدولة السعودية عادت السلفية الى شكلها الموالي للسلطة والبعيد عن المشاكل حتى جاءت الحرب الافغانية حيث شاركت الدولة السعودية و بدعم امريكي وغربي بتجنيد وتسليح وتدريب الاف الشباب وارسالهم لقتال الجيش السوفييتي في افغانستان ليخرج من هناك فرع ثالث للسلفية هو السلفية الجهادية وابرز تنظيماتها "القاعدة" الذي قال بتكفير الحكومات والشعوب الاسلامية لعدم حكمها بالشرع ومحالفتها لدول الكفر لتبداً مرحلة سوداء في تاريخ العالم العربي الذي شهد مجازر كبرى في مصر والجزائر  وغيرها امتدت الى الغرب بتفجيرات نيويورك ومدريد وسواها ليعلن العالم حرباً على"الارهاب" استباحت فيها الجيوش الغربية كثيراً من الدول مفتتحة مرحلة دموية فوضوية في تاريخ العالم.
اما بعد الربيع العربي ولأسباب سنناقشها في حلقات قادمة فقد فوجيء المراقب غير المطلع بأنتشار غريب للتيار السلفي في الدول التي لم يتمكن من دخولها من خلال افكار ابن تيمية وابن عبد الوهاب...انتشار عبر عن نفسه بصيغة متشددة وجريئة وكأن هذا المارد النائم قد استيقظ فجأة ليخبرنا انه امتد في معظم دولنا بصمت وقد حانت لحظة الحقيقة,لحظة اعلان هذا التيار رغبته في اقامة "خلافة" على منهاجه رغم انف الجميع ويبدو ان له من الدعم والامكانات ما لا يجعل ذلك بعيداً..

البقية تأتي تباعاً

السبت، 3 نوفمبر، 2012

الغدير...بين البيع والبيعة

لطالما كنت اتجنب الدخول في تفاصيل الخلافات السياسية في صدر الاسلام الاول خاصة تلك التي تمتد ما بين اجتماع السقيفة واغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب وما يتعلق بها من خلاف مذهبي شديد...
ان"زبدة" البحوث التاريخية تتلخص في ان الرسول قد اعلن امام جمهور المسلمين قبيل ارتحاله عنهم ان علي بن ابي طالب وليهم من بعده...وان عليهم ان ينصروه ويطيعوه في ما رأى كما والوا الله ورسوله من قبل.
ومرت الايام والسنون والقرون المتطاولة وهذه الحادثة تزداد اثارة للجدل بين جميع المذاهب الاسلامية كل يحاول ان يجر نارها الى قرصه...الشيعة يرون فيها بلاغا الهيا بامامة علي الدينية والسياسية وعصمته الكاملة...المعتزلة يرون فيها ترشيحا وتزكية لعلي دون نص الهي واضح صريح ملزم...المتصوفة يرون فيها تبيانا لمقام روحي وديني لا يختص به غير علي-امير طرائقهم الاكبر- ويضربون بالمواقع السياسية عرض الجدار....بينما يسعى اهل السنة وخاصة الاتجاه السلفي الى تغييب الحدث او تمييعه والقول ان ولاية علي انما يقصد منها المحبة العامة بين جميع المؤمنين.

وبينما ينزوي المتصوفة والمعتزلة يزداد النزاع بين السنة والشيعة فكلما اوغل هؤلاء في تناسي الحدث اوغل اولئك في تسليط الضوء عليه حتى جعلوه عيداً يحتفون بيه كل عام بأشعال الشموع وتوزيع الحلويات والدعوة للاحباب بالثبات على وصية الرسول الاعظم بولاية الامام علي..

والحقيقة ان مع كل هذا الضوضاء ارى علياً اكبر المغيبين عن ساحة الاسلام وكلما ازداد صخب الصراع ووهج نيران الاقتتال بين عوام الطائفتين ورجال الدين كلما انزوت روح علي بن ابي  طالب...الرجل الذي نذر عمراً بين السابعة والسبعين في ثورة مستمرة على اصنام الحجر والبشر والقبيلة والمال...
الرجل الذي ترك الخلافة مستصغرا امرها يوم شحت نفوس غيره بل ورفضها حين عرضت عليه ولم يتولها الا بشبه قسر من جماهير ملت الاستبداد والفساد المقنع براية الخلافة....
الرجل الذي لم يحفل يوما-ناهيك ان يحتفل- بمنصب لم يكن يراه اعظم من ورقة في فم جرادة تقضمها....
الرجل الذي عاصر الرسول ولازمه منذ طفولته بينما لا تعطيه كتب الحديث ومنابر الوعظ الا الجزء الهامشي من خطبها ولا تتناول الا سيفه البتار وشجاعته واقاصيص بين الكرامة والخرافة لتقصي صراعه المرير مع القبلية والتعصب و الاستبداد الديني والسياسي عن المنبر الذي بناه بسيفه وصوته وعرقه ودمائه .

نعم ان في ما نشهده اليوم من احتفاء بعيد الغدير شيء من الروح العفوية الطيبة,روح الفقراء العاشقة لحروف اسم علي والتي رأت في وصية الرسول نصرة لمن ناصرها وولاية لمن والى جوعها وعاش خصاصتها...بيعة لأنموذج وحيد مثل غاية احلامهم واقصى امانيهم في رجل يسلمون اليه قيادهم.

كما ان فيها جزئا اخر هو طبل وزمر وصخب في سوق يريد اصحاب الدكاكين فيه ان يبيعوا عليا واسمه وصورته و تاريخه بثمن بخس...نعم يبيعون عليا ليشتروا عقول محبيه فيعطلوها...وقلوبهم الصافية البريئة ليملئونها بالعصبية والفئوية....

لا ادري ما كان علي ليفعل وهو يرى ايتامه يبيعون قصاصات الاحراز واقمشة خضراء بوجوه كالحة ونبرة مستعطفة متذللة وبرائة مسحوقة بينما يمد"السادة" سدنة القباب الذهبية ايديهم ليقبلها الناس ويتبرع بعضهم ببصاقه للبركة...بينما يمر "خادم الحسين" وبيمينه خاتم هو علامة ايمانه وسط ندائاتهم التي طالما كرهها علي...ونبيه من قبل"سيدنا" و"مولانا"...

لقد حمل علي القرآن في قلبه وحمل معاوية القرآن على الرماح...واليوم ارى كثيرا ممن يحملون علياً ولكن فوق رماح معاوية....

الجمعة، 26 أكتوبر، 2012

ما وراء الدنبك....


في هذا العيد كما في كل عيد يندفع ابناء المناطق الشعبية المسحوقة وسكنة الازقة والحواري وبيوت الصفيح الذين لم يروا من وطنهم سوى مياه الشرب المختلطة بمياه الصرف الصحي والمساكن والمدارس التي لا تصلح كحظيرة للمواشي حتى...قوم كأنهم من شعب اخر يعيش لاجئا في هذا الوطن يضطر معظمهم الى العمل في محلات الفيترجية والبنجرجية ويبيع الماء في الشوارع منذ سن الرابعة او ما قاربها...يجد هؤلاء المسحوقون في فترة العيدمتنفسهم الوحيد لينقضوا على متنزه الزوراء وشارع الكرادة والمنصور وغيرها بأعدادهم الهائلة وملابسهم غريبة الالوان ودفوفهم و هوساتهم وكأنهم يريدون ان يقولوا للعالم:نحن هنا....نحن هنا بكل مساوئنا بكل كبتنا بكل جوعنا الى الحياة....نعم نحن كما تسموننا"مشايفين" وكوننا "مشايفين" ليس مسؤليتنا بل مسؤلية هذا المجتمع الظالم اللا انساني...نعم في فترة العيد يكشف النقاب عن هذا الجزء المنسي من المجتمع والذي اشبع كبتا وقهرا ليظهر بشكل عادات غريبة متراجعة حضاريا وثقافيا لا تكاد تحتمل بينما تبدأ تعليقات الطبقات الاخرى من المجتمع وخاصة الطبقة الراقية لتسخر من هؤلاء القوم وتصفهم بالفضائيين والمريخيين وتصف حضورهم بالغزو والاحتلال وتسخر منهم ومن ملابسهم ولا يفكر احد هؤلاء انه لو مر بظروفهم لما كان افضل منهم بشيء....لا يتصور المراهق الذي يركب احدث السيارات ويقضي فترة الصيف السنوية سائحا في منتجعات الدول المجاورة وغير المجاورة معنى ان تولد في بيت صفيح و تعمل سمكريا في سن الخامسة لتعيل عائلة من خمسة افراد...ان هذا الوضع يفوق قدرة عقولهم على التصور....ارجو منم جميع اخوتي"الراقين" ان"يرتقوا" بتفكيرهم الى ادنى حد ممكن من الانسانية التي تفرض عليهم مد اليد الى هؤلاء الضحايا...ضحايا الوطن والدولة والمجتمع...بدلا من معاملتهم كمجرمين...قرأت لأحد الكتاب"من يتكبر على اهله يبقى صغيراً"....والسلام