الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2011

الارهاب ثقافة...1


رغم انه من المتفق عليه و الجلي للعيان عمق الازمة الاجتماعية التي تمر بها دول العالم الثالث و خاصة مجتمعاتنا العربية الا ان فك خيوط هذه الازمات المتشابكة لأمر في غاية الصعوبة و لعلي التفت مصادفة الى احدى هذه العلل الفكرية الا و هي ثقافة استلاب الذات عن طريق الارهاب الفكري وسيلة لجمع الانصار حول هذا الفكر او ذاك بديلا سريعا و فعالا للحوار الفكري العميق.
رغم ان جذور هذا النمط من السلوك سياسية بحتة الا انه امسى متغولا و متسيدا على غالب نواحي الحياة متلبسا الفكر الديني و الحياة الاجتماعية و الاسرية...الخ و بشكل متصاعد و ملفت للنظر.
ان الجانب السياسي لهذا السلوك متوقع و غير مستغرب في طبيعة العمل السياسي في شتى انحاء العالم بما فيه "العالم المتحضر" مع الفارق طبعا.اما ما يهمني فهو الجانب الديني و الاجتماعي.
لقد اخذ الخطاب الديني في عصر السرعة سبيلا يختلف عنه في الماضي السحيق حيث كان الناس يجتمعون في حلقات ليستمعوا لهذا المفكر او ذاك و هو يتحدث في الفلسفة و الفكر و الفقه و السياسة و يناقشون التوحيد و البعث وفلسفة العدل الاهي و ما شاكل.اما في هذه الايام فقد اصبح خطاب الدعاة و الخطباء-في الغالب- تعبويا على اسلوب ال" تيك اوي " فيجمع هذا الداعية او الشيخ عددا من الشباب المثقل بهموم الحياة سائرا بهم في طريق طويل من التحريض الذي يبدأ اولا بتحطيم ثقة الشاب في ذاته عن طريق الحديث المتكرر عن المعاصي و الذنوب حتى يتحول هذا الشيخ الى "المخلّص" الذي يأخذ بيد العبد الخاطيء الى الله معززا بفيض من الادعية و الدموع و الابتسامات العريضة "النورانية", وغالبا ما يلجا الشيوخ للحديث عن المعاجز التي شاهدوها في حياتهم فهذا الشاب مات عاريا و وتلك الفتاة قُطعت اربا و ذاك المؤمن شُفي من الغيبوبة التامة بفضل فلان...الخ.مما يلغي اي تفكير حر للفرد و يستلب شخصيته المستقلة و قراره لصالح العقل الجمعي المُقاد من قبل الخطاب الغيبي للشيخ.
ثم تبدأ المرحلة الثانية بعد ان تحققت الثقة التامة في هذا الشيخ و هي مرحلة صناعة الاعداء اذ يتجه الحديث عن "الاخر" بشكل اشبه بالعسكرة الفكرية و بعدائية مستغربة دخيلة على الفكر الديني تطفو مصطلحات"الروافض و النواصب و الصليبيين...الخ" متبوعة بفيض من اللعنات و السباب البذيء ابتداءا من التشكيك بأصولهم العقائدية و نسفها مرورا برميهم بالعمالة للخارج و الانتماء له و مهاجمتهم عن طريق استثارة التقاليد الاجتماعية كالشرف العائلي و ما شاكل ثم مرحلة الضحية و البكاء على الضحايا الذين ذهبوا ضحية لممارسات الطرف الاخر ثم تبدأ مرحلة العسكرة التي يبدا الشيخ فيها بتذكير المؤمنين بماضي اجدادهم"العسكري و ليس الفكري طبعا" المشرف و بسالتهم و العار المترتب عن السكوت و المسؤلية الالهية التي يتحملها الشاب المسكين في الذب عن عقيدته و جزيل الثواب المترتب على ذلك ليظهر هذه المرة بصورة الفاتح الذي سيقود جيشا من الادمغة المغسولة نحو المعركة التي لا يعرف احد لصالح اي الجيوب بدأت و بأمر اي الجيوب تتوقف.
في خضم هذه الحركة يلعب (الامن الفكري) دوره في حماية مخططات الزعيم الصاعد اذ يوجه مناصريه الى ان يلتزموا بمنبع واحد هو الذي فيه صلاحهم فتبدأ دعوات المقاطعة لوسائل الاعلام المخالفة و منتجات الكفر التجارية لتصل الى مقاطعة "اصدقاء السوء" المخالفين او على الاقل التقليل من متانة العلاقة معهم و هكذا تمهيدا لأن يتحول الانسان الى الة طيعة طوع بنان القائد والا فأن سماع الاغاني سيؤدي الى صب الرصاص الذائب في اذن السامع و عدم ارتداء الحجاب سيؤدي الى ان تعلق الفتاة من شعرها فوق نار جهنم وما شابه من صنوف الارهاب الفكري التي تؤدي للانعزال التام عن الواقع معززة بأشرطة و حكايات عن الارواح السائحة و المعذبة في العالم الاخر لتطلق رصاصة الرحمة على اي امل بأنسلاخ اي فرد من هذا الحراك.
طبعا هناك مصادر التمويل و "الاحسان و الزكاة و جهاد المال" المتناهية في الكرم و التي قد ترفع من مستوى العائلة المادي "بفضل الله"مما يزيد من التعلق بهذا الداعية او الشيخ.
نلاحظ ان التركيز يكون على مخاوف الانسان الغريزية من الموت و من العالم الاخر و من الغيب و من المجهول و بأستنفار غريزة العداء له بعيدا عن اي ايغال في عمق فكري او علمي الا لماما و بتركيز على العقلية الجمعية بشكل يناقض كل ما دعا اليه و اسس له الدين يوما.
ان هذه النظرة تبين لنا كيفية تحول شبابنا الطموح الى قنابل موقوتة بيد زعماء جهلة اذ ان من شب على شيء شاب عليهو ان اردنا ان نحارب هذه الظاهرة فلا بد ان نرتقي بالخطاب الديني الى واقع ممازج بين العمق الفكري الاصيل و العصرنة بدلا من السطحية المتخلفة السائدة حاليا.
ربما سأعرج في جزء اخر عن الارهاب في الحياة الاجتماعية تجنبا للاطالة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق