الثلاثاء، 15 مايو، 2012

اطباء "بلا حدود"......


بعد انقطاع دام لمدة طويلة غُيبت فيها عن التدوين ما بين مشاغل الدراسة الجامعية التي لا تنتهي وبين الوظيفة المستجدة التي ارتأيت من خلالها ان ازج بنفسي في الممارسة العملية اذ ان دراستنا الاكاديمية النظرية لن تغني ولن تسمن من جوع في مجال التطبيق الحقيقي للمهنة وليست اكثر من حشو للادمغة بسيل من المعلومات التي ما تلبث ان تتبخر مع نهاية الامتحانات النهائية...في الحقيقة يتبخر معظمها قبل الدخول الى قاعة الامتحان بالنسبة لي مع الاسف...
اعود هذه المرة للكتابة بعيدا عن الجو الفكري والسياسي المعتاد لأشير الى ظاهرة صدمتني وينبغي لها ان تصدم كامل القائمين والعاملين في الوسط الصحي والاكاديمي بل وحتى عموم الناس...
منذ نعومة اظفارنا ونحن نتعلم انهم بملابسهم البيضاء وابتسامتهم المتفائلة اليد الالهية الشافية التي ترسم البسمة على وجوه الاف الناس الذين اتعس حياتهم السقم وسرق منهم المرض كل فرحة....وكبرنا لنعلم انهم يتقاضون لعملهم اجراً يكون في كثير من الاحيان مبالغا فيه ومع ذلك لم تهتز صورتهم لدينا كثيراً...يكفي سيل الدعوات الذي نسمعه على ابوابهم مع شفاء كل مريض..
هكذا تعلمنا...اما عند الاطلاع على "زواغير" المهنة وتفاصيل"البزنس" لم اجد مناصاً من الوقوع في صدمة كبيرة وتساؤل اخلاقي ضخم حول ما تبقى في نفسنا من هوامش الانسانية.
سأدخل في صلب الموضوع...مع تشعب الصناعات الدوائية وتعدد شركات الادوية وتجدد المنتوجات الدائم اصبح الاطباء في حاجة ماسة الى مواكبة هذا التطور الهائل في صناعات الادوية والاطلاع المستمر على اخر ما تنتجه الشركات من مواد طبية او مستخلصات عشبية جديدة او منتجات تمزج فيها المواد للحصول على تأثير اقوى...الخ
بل ان بعض المنتجات قد لا تحمل جديدا من الناحية العلمية لكنها تضيف خيارات اخرى من ناحية التركيز الدوائي او الطعم او حتى مناسبة السعر للمستوى الاقتصادي العام...الخ لهذا بدأت شركات الادوية الكبرى بتريب خريجي الصيدلة ليعملوا ك"مندوب علمي او اعلامي" يقوم هذا المندوب بزيارة الطبيب وشرح المنتج الخاص بالشركة واطلاعه على تفاصيله وهكذا يكسب الطبيب المعلومة وتكسب الشركة ويكسب المريض خيارا اخر للعلاج وهكذا...
وقد وقعت الشركات العالمية الكبرى مواثيق شرف
Code Of Ethics تتعهد منخلالها بالابتعاد عن اي نشاطات غير اصولية او مخلة بمباديء المهنة.
وقد تبين ان الشركات العربية-خاصة ذات رأس المال العالي-لم توقع هكذا مواثيق بل انها قد بلغت مديات قصوى في حجم الاستهتار بالقيمة العلمية والانسانية لمهنة الصيدلة...
ان السوق العراقية اليوم مفتوحة لكل من هب ودب بلا ضابط او رقيب مما ادى الى ان تتحول العلاقة بين الطبيب والشركة الى مسرحية فضائحية هزلية تكون فيها مصلحة المريض اخر اهتمامات الطرفين-هذا ان كانت ضمن اهتمامهم اصلا-.
يستقبل الطبيب مندوب الشركة بأبتسامة صفراء ويرحب به...يتبادلان التحايا الى رؤساء المندوب ثم يبادره بسؤال"شجايبلنا اليوم؟"ليقدم المندوب هدية عينية للطبيب كعربون للعلاقة الودية قد تكون مفكرة او تقويما او ما شاكل ولا بأس في ذلك حتى الان.
ويعرض المندوب منتج الشركة عرضا بعيدا عن الجانب العلمي-الذي ليست له ادنى حاجة-يتعهد الطبيب بكتابة الف او الفي قطعة من المنتج ويطلب من الصيدلية توفير الكمية المطلوبة مقابل مبلغ مالي كبير او اجهزة الكترونية حديثة....لا يرضى بعض الاطباء الا بسفرة الى الخارج على حساب الشركة لحضور"مؤتمر علمي" على شواطيء بيروت او اسطنبول فالفائدة العلمية هي الاساس بلا شك....
دخلتُ على احد الاطباء من الدرجة الاولى والذي لا يقل دخله عن 500 الف دينار يوميا واستغربت حركاته المتسارعة الهزلية وضحكاته عديمة السبب ليطلب مني "علاكة" فيها عدد من علب الادوية يبتغي بيعها لشراء"كارت موبايل"له او لزوجته وقال لي:اخبر الشركة انك "تستحي" من الدخول على "الدكتور" خالي الوفاض هكذا بينما تعطيني بعض الشركات نسبة 10 او 20 % من ارباح الوصفات التي اكتبها...
طبيب اخر قابلني بغضب شديد صارخا الويل والثبور للشركة التي كتب لها الكثير الكثير من الوصفات دون ان ينال اي سفرة و"فوكاها كلشي محصلنا منكم" بينما لا تستمع احدى الطبيبات الى عرض المندوب ان لم يكن محتويا على سفرة او مبلغ مالي قيم بينما لم يرض طبيب اخر بأقل من 10 الالف دولار كحصة من الصفقة.
احدى الطبيبات تعهدت بكتابة منتج احد الشركات من المضادات الحيوية لكل من يصيبه شيء من صداع...على الاقل وجدتُ اجابة لتساؤلي خلال عملي في احدى الصيدليات عن سبب كون الوصفة كبيرة وتحتوي عددا ضخما من الادوية لحالات بسيطة للغاية.

تقيم احدى الشركات العربية عشاءا مجانيا للاطباء"المعاميل" في احد ارقى مطاعم العاصمة بغداد كل اسبوع تقديرا لجهودهم العلمية في خدمة الانسان العراقي.
ان كل هذه الحالات مجرد غيض من فيض فساد الضمير والذمة والجشع اللامتناهي والذي يبتلع كل ما امامه من قيم...واننا اذ لا نستغرب هذا الجشع من الشركات الا اننا نستغربه من اساتذتنا الاطباء الذين ينبغي ان يكونوا قدوة في انسانيتهم ونقاء ضميرهم الا ان كثير منهم مع الاسف الشديد وصلت به الدناءة ان يبيع قسمه الطبي مقابل اثمان في غاية التفاهة رغم ان مستوى حياته المادي ممتاز للغاية.
ان هذا الواقع سيؤدي الى كتابة ادوية قليلة الفعالية او ليست ضمن ما يحتاجه المريض وستقضي على اي مستقبل للرصانة العلمية والكفاءة العلاجية للدواء وستحول المهنة الصيدلانية الى مجرد تجارة حقيرة تكون بضاعتها الاساس حياة البشر...هنا لن يكتب الطبيب الدواء الافضل والانسب والاكثر فعالية بل سيكتب منتج من يدفع اكثر في هذا المزاد السخيف.
ان على الجهات المختصة كوزارة الصحة والتجارة والكمارك والتقييس والسيطرة ودوائر المفتشية العامة و ونقابة الصيادلة ان تتحرك لوضع قواعد واضحة للتعامل واسس علمية لتحديد الشركات التي يسمح لها العمل في العراق وان تفرض عليها تعهدا بعدم اعطاء اي مقابل مادي للطبيب وتتحمل بمخالفتها للشروط عواقب ضخمة كما ينبغي متابعة الاطباء ومعاقبة ضعاف النفوس منهم وفضحهم اعلاميا كشف فضائحهم امام الرأي العام كي لا يصبح المواطن بضاعة يُتاجر بها في الشوارع.
ارجو ان لا يُفهم من كلامي هذا الاساءة الى اساتذتنا الاطباء والكثير منهم ذوي نزاهة ومهنية عالية وهم ابعد الناس عن هذا السلوك غير القويم والذي اردت ان اسلط عليه شيئا من الضوء كاشارة الى من يهمه الامر-خاصة بعد ان امسى ظاهرة واسعة الانتشار تحولت لسعة انتشارها الى سلوك طبيعي لا يجد فيه اي من الاطراف حرجا بل ولا يعتبرها البعض داخلة حتى في اطار الرشوة.
الى من يهمه الامر..ان كان هناك من يهمه الامر.....

هناك تعليق واحد:

  1. احييك ايها الرائع ...
    الموضوع يستحق المتابعة والتدقيق في اصول عمل مثل هذه الشركات الدوائية ومروجي اعلاناتها ومن يتعامل معهم ، والحد من انتشارها وتفشيها في الوسط الطبي ، جنابكم الكريم ذكرت في نهاية موضوعك عبارة " الى من يهمه الأمر " ... هل لك ان تضع يدك بيدي ؟؟؟؟؟ ان مستعد . وانت ماذا عنك ؟؟؟ اذا كان جوابك ايجاباً راسلني علn هذا الأيميل :
    hussam3008@gmail.com

    ردحذف