الأربعاء، 6 مارس، 2013

الفتوحات السلفية...ج2

مع اندلاع الحرب العالمية الاولى كانت دولة السلطان العثماني تتآكل من الداخل بينما تتلقى ضربات التحالف الغربي الواحدة تلو الاخرى....ارسلت الحكومة البريطانية موظف استخبارات يدعى لورنس الذي عُرف بلورنس العرب ليرتدي العقال العربي ويتمكن من اقناع زعماء قبائل الجزيرة العربية وشريف مكة الشريف حسين بالثورة على الدولة العثمانية واعداً اياهم بدولة مستقلة تحيي الامجاد القومية للعرب....وهكذا انطلقت الثورة وبدأت العشائر بمهاجمة الخطوط الخلفية للعثمانيين حتى اجلتهم عن الجزيرة العربية بينما دخلت  جيوش التحالف الغربي بقية بلدان العرب لتقسمها فيما بينها وفق اتفاقية "سايكس-بيكو" الشهيرة لتضرب بوعودها للشريف حسين عرض الجدار وتسترضيه بتولية ابناءه عروش العراق وسوريا والاردن.
وفي الوقت الذي كانت السلطنة العثمانية تستند على شرعية دينية بأتبار السلطان العثماني هو الخليفة وامير المؤمنين دعمت بريطانيا حركة قادها طالب علم ديني يُدعى محمد بن عبد الوهاب تستند على تكفير السلطنة و وصم الكثير من عادات وطقوس المجتمع الاسلامي بالشرك والبدعة ليتحالف هذا الشيخ مع محمد بن سعود ويشكلان الحراك الوهابي المسلح الذي انتهى بأقامة المملكة العربية السعودية على ارض نجد والحجاز.
حاولت الحركة الوهابية التمدد خارج الجزيرة-كما اشرنا- دون جدوى..فقد 
كان لشيوخ المذاهب السنية الاخرى ومدرسة الازهر ومدارس المغرب العربي المتأثرة بالتصوف دور كبير في رد هذه الحركة فكرياً.بينما ساهم وجود الشيعة في العراق وتصادمهم المستمر مع الغزوات الوهابية تجاه كربلاء والنجف بتحديد حركتهم العسكريةبشكل كبير.
بينما
ومع بداية اللبنات الاولى للدولة الحديثة بدأت المجتمعات الاسلامية التي الغارقة في الفوضى تفتح عينيها على نمط الحياة الجديد الذي القادم من الضفة الاخرى للبحر المتوسط...نمطٌ غير الكثير من المعتقدات السائدة و بدأ بأطلاق حراكٍ فكري جديد لتسود المجتمعات التقليدية تيارات حديثة كالتيار اليساري الشيوعي والتيار القومي العربي وتيارات وطنية وليبرالية اخرى...اما على مستوى الافكار الدينية فمدرسة الاصلاح والتنوير التي اسس لها جمال الدين الافغاني ومحمد عبده والكواكبي وغيرهم باتت اكثر رسوخاً مع تطور نظام الحياة الاجتماعي...ثم ظهر تيار الاسلام السياسي المتمثل بحركة الاخوان المسلمين الذي حاول ان يعود الى اصول الاسلامي لينطلق منها نحو الواقع بلغة تلائم هذا الواقع الى نحو ما..
هذا الجدل الفكري الجارف اضافة الى المستوى التعليمي والاقتصادي العام وطريقة الحياة المنفتحة لم يكن ليسمح لأفكار كالسلفية او الوهابية بالنفاذ اليه بأي شكل من الاشكال فهم المجتمعات العربية كان منصباً على قضايا التعليم والسفر والسياحة والرفاه الاقتصادي وبعض الترف الفلسفي بينما كانت طبقة الفقراء مستقطبة نحو التيار اليساري.
ثم جاءت المرحلة السوداء في تاريخ العالم العربي....حيث قامت مجاميع من ضباط الجيش في بلدان مختلفة بأجراء انقلابات عسكرية اطاحت بأنظمة الحكم الملكية واسست لسلسلة انقلابات دموية متتالية اختتمت بأنظمة شمولية امنية في منتهى القسوة والبشاعة...انظمة اقصت جميع التيارات السياسية وحاربتها ورمت بأصحابها الى"ما وراء الشمس"كما بدأ يصطلح عليه لاحقاً...
صاحب هذه الفترة تراجع كبير في المستوى الاقتصادي وانتشار واسع النطاق للمجاعات واحزمة الفقر والبطالة.
في نفس الوقت عاشت دول الخليج العربي ومن ضمنها السعودية انتعاشا اقتصاديا مطرداً ادى الى وجود فائض مهول في الاموال مكنها من الدخول الى السوق بقوة وفرض كلمتها في السياسة والاقتصاد على حد سواء...
هذه الحالة ادت الى سريان حالة من اليأس والاحباط لدى جيل الشباب خاصة جيل"النكسة" الذي عاش مرحلة من الضياع والتيه دفع الكثير من الشباب الى البحث عن بديل اخر...مع افول نجم التيار الشيوعي و تحول القومية العربية الى قناع لحكم النار والحديد بدأ الشباب بالاتجاه نحو الدين وتياراته السياسية ليتسع حجم الاخوان المسلمين بفترة وجيزة وليتعرض الى حرب شعواء من الانظمة التي سمحت بنفس الوقت بنمو بديل اسلامي مسالم يحرم الخروج عليها ولا ينازع الامر اهله...وهو البديل السلفي الذي يتمتع بدعم مالي خليجي يمكنه من بناء قاعدة لمستقبله في المنطقة.
جاءت الثورة الخمينية في ايران لتعزز امال التيارات الاسلامية في التغيير...ومن ثم الدخول السوفييتي الى افغانستان والذي دفع الاف الشباب المحبط الى التدرب والتسلح والسفر الى الجهاد برعاية امريكية-سعودية,وبعد اندحار السوفييت ادار العالم ظهره للركام الافغاني لتنشأ فيه بعد حروب طاحنة تنظيمات عرفت بالسلفية الجهادية او التكفيرية ابرزها القاعدة المتعدد الجنسيات وطالبان ذو الطابع الافغاني المحلي...وليبدأ هذا التنظيم نشاطه واعداً الاجيال المسحوقة برفع رايات الاسلام فوق اسوار فلسطين واسترداد كرامة الاسلام و بالشهادة وثواب الجنة وحورها العين ان مات في هذا الطريق..
و خلال نمو السلفية العنيفة في افغانستان كانت السلفية السلمية تنتشر بصمت في البلدان الاخرى تحت غض بصر حذر من انظمة الحكم...لتقوم عصبة جسورة من القاعدة بضرب الولايات المتحدة في عقر نيويورك لترد الولايات المتحدة بحرب عالمية على الارهاب ادخلتها الى افغانستان والعراق وافتتحت قرناً دموياً من الصراعات المستمرة.
التيار السلفي المسالم بنى قاعدة صلبة في الدول العربية لكنه لا يزال تيارا ثانويا غريباً عن سايكولوجية العرب وافكارهم...وجد التيار السلفي حصان طروادته للدخول الى قلب العالم الاسلامي واختطاف تمثيل الغالبية من اهل السنة والجماعة...وهذه المظلة هي الصراع السني-الشيعي,بدأت المعركة في العراق بأشتباكات ومعارك وغزوات عنيفة بين رجال القاعدة والسلفية وبين مليشيات شيعية تلتها حملات اعلامية وثقافية كبرى تضخم من موضوع الصراع الطائفي وتشيطن المذهب الشيعي و تحوله الى"بعبع" يهدد عقيدة و وجود الكيان السني بالكامل.
ومع انطلاق الربيع العربي بدأت الدول المتهالكة اصلا بالانهيار...الحدود بدأت بالاضمحلال شيئاً فشيئاً على ارض الواقع والوجود السلفي النائم والهاديء بدأ بالتكشير عن انيابه في بعض الدول كمصر وتونس بينما اعمل مخالبه في الدول الاخرى بلا مواربة كليبيا وسوريا...لقد اطلق التيار السلفي فتوحاته...حربٌ مفتوحة لأختطاف العالم الاسلامي(السني) بأسم الحرب المقدسة مع الشيعة انطلاقاً من سوريا...يمتلكون من التمويل والدعم الاعلامي والعسكري ما مكنهم من الصمود بوجه جيش نظام الاسد الامني الوحشي لعامين ولا يزالون..
نراهم يومياً يتحدثون بين السطور عن "الخلافة"...يحبسون النساء اللواتي قضين عمراً في التعليم الاكاديمي ويعيدونهن الى المنازل ويعيدون شعوباً بأكملها الى عصور ما قبل التاريخ...يقطعون الرؤوس والايدي والارجل ويفجرون الاسواق وبيوت العبادة...
يجب ان نعي جميعاً اننا امام طوفان دموي متوحش لا يفهم اي لغة نتكلم بها...وعلينا ان نتدارك بنية دولنا و نسيجنا الاجتماعي قبل ان تتحول ديارنا الى خرائب تنعق فيها الغربان الملتحية على جثث امالنا ومستقبلنا....

هناك تعليق واحد: